السيد محمد حسين فضل الله

32

من وحي القرآن

لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هو المالك للأشياء كلها ، فليس لغيره ملك بإزاء ملكه ، فهو المالك الحقيقي ، أما الآخرون ، فإنهم يملكون بالملك الاعتباري في ما ملّكهم إيّاه . فهو المالك لهم ولما ملّكهم . . . وبذلك كان قيامه عليها قياما كاملا لا نقص فيه ولا حدود ، لأن هناك فرقا بين قيامك على الشيء الذي هو تحت سيطرتك وملكك وبين قيامك على ما لم يكن كذلك ، وهذا هو ما تريد الآية أن تؤكده ليشعر الإنسان بالاطمئنان لكمال التدبير الإلهي للإنسان وللأشياء ، وليعي ارتباط كل الموجودات باللَّه ارتباط الملك بالمالك ، فتفقد قيمتها وعظمتها في وعي الإنسان ، عندما يشعر أنها مثله في عبوديتها ومملوكيتها للَّه . . . فكيف يمكن أن يجعل منها شركاء للَّه كما توحي به الآية الكريمة : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [ الأعراف : 194 ] . مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ليس هناك إلا كلمته وإرادته ، فلا يملك أحد أن يتدخل في إنقاذ أحد من مصير محتوم ، أو رفعه إلى درجة عالية من خلال قوة ذاتية أو موقع مميّز خاص ، إلا بإذنه الذي يلقيه إلى بعض عباده المقربين في ما يريد وفي ما لا يريد ، وبذلك يمكن لنا أن نقرّر مبدأ الشفاعة في نطاق الخط الذي يريد اللَّه للشافعين أن يسيروا عليه في ما يريد اللَّه أن يكرمهم بالمغفرة لبعض المذنبين ، أو برفع الدرجة لبعض المطيعين من دون أن يتنافى ذلك مع مبدأ التوحيد في ما يتوسل به الناس من شفاعة . وفي هذا الجو ، يمكن لنا أن نستوحي طبيعة ما يملكه الشفعاء من ميزة الشفاعة من حيث ارتباطها بإرادة اللَّه وبإذنه ، فالمغفرة التي تنال المذنبين من اللَّه ، والبلاء الذي يرفع عن المبتلين من اللَّه ، والمثوبة التي تحصل للمطيعين منه - جل شأنه - يمنحها لهذا ولذاك ، بكرامة هذا النبي أو هذا الولي التي